سهيلة عبد الباعث الترجمان
796
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فكان من نتيجة ذلك أن كل ما عزاه بعض المستشرقين والتابعين لهم بأجنبية التصوف عن الإسلام واستناده إلى مصادر غريبة عنه هو هراء وتجنّي فقط وليس له أصالة ثابتة في ذلك . فمن ردّ فكرة وحدة الوجود إلى الأصل الآري يكون مخطئا لأن التصوف الإسلامي وليد المجتمع السامي وهو على خطى النّبي الصوفي الأول المتحنث في غار حراء . كذلك الأمر بالنسبة لرفض الفكرة القائلة بالسبق للأفلاطونية المحدثة على فكرة ابن عربي وغيره لأن التصوف لديهم لا يقوم إلا على منطق الدين ، ومنطق العقل ويؤيده ويثبته ، وما قال به ابن عربي أن " لا علم إلا ما كان عن كشف وشهود لا عن نظر وفكر وظن وتخمين يؤيد ذلك . ويستبعد ابن عربي والصوفية المسلمون أثر الأفلاطونية المحدثة لقناعتهم بأن طريق القوم لا تنال بالنظر الفكري ولا بضرورات العقل ، وإنما هو نور في القلب يحدث فيه بواسطة اتّباع الكتاب والسنة فيدرك الأمور يقينا لا ظنا وتخمينا . كذلك نفى الشيخان أثر المصدر المسيحي عن التصوف الإسلامي إذ أن الإسلام اعترف بوحدة الأديان السماوية جميعها ، كما أن الحب الإلهي هو جوهر الأديان كلها ، وفي حياة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم المثل الأعلى للزهد والتقشف والتقوى والعكوف على العبادة والحثّ على التوبة والاستقامة ، وما أثر عن الصحابة في هذا الصدد لأكبر دليل ينهض في مواجهة هذا الرأي . ولما كانت طريق التصوف محاطة بكل هذه الصعوبات وتحيط بها الشكوك والإبهام دعا ابن عربي كل متأهب لنيل العلم الإلهي بالتجرد عن العقائد المؤيدة بالأدلة العقلية والبراهين الحسية ، وتفريغ القلب من كل فكر ، والتزام الخلوة والعكوف على باب الحضرة الإلهية لنيل الكرم الإلهي بما يجود به عليه من العلم والمعرفة ، ذلك أن طريق الكشف والشهود لا تحتمل المجادلة والرد على قائله ، وحرمانه يعود على المنكر ، وصاحب الوجود مسعود بما حصل عليه . ولتعلم أن الإيمان المؤيد بالأعمال الصالحة أقسامه في يد الحضرة المقدسة ، فيرى عند إقامته فيها تفجير أنهار العلوم والمعارف والحكم والأسرار من بين تلك الأنامل ، ويرى ما ملكته اليد لأصحاب المقامات المحمدية فتتغذى بذلك روحانية ساكن هذه الحضرة « 1 » .
--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب الفناء في المشاهدة ، ( الرسائل ) ، ص 8 .